عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
399
اللباب في علوم الكتاب
الرفث والفسوق دون الجدال ، بقوله عليه السلام : « من حجّ فلم يرفث ولم يفسق . . . » « 1 » وأنه لم يذكر الجدال . وهذا الذي ذكره الزمخشريّ سبقه إليه صاحب هذه القراءة ؛ إلّا أنه أفصح عن مراده ، قال أبو عمرو بن العلاء - أحد قارئيها - : الرفع بمعنى فلا يكون رفث ولا فسوق ؛ أي شيء يخرج من الحجّ ، ثم ابتدأ النفي فقال : « ولا جدال » ، فأبو عمرو لم يجعل النفيين الأوّلين نهيا ، بل تركهما على النّفي الحقيقي . فمن ثم ، كان في قوله هذا نظر ؛ فإنّ جملة النفي بلا التبرئة ، قد يراد بها النهي أيضا ، وقيل ذلك في قوله تعالى : لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 2 ] . والذي يظهر في الجواب عن ذلك ، ما نقله أبو عبد اللّه الفاسي عن بعضهم فقال : « وقيل : الحجّة لمن رفعهما أنّ النفي فيهما ليس بعامّ ؛ إذ قد يقع الرفث ، والفسوق في الحجّ من بعض الناس ، بخلاف نفي الجدال في أمر الحجّ ؛ فإنه عامّ ؛ لاستقرار قواعده » . قال شهاب الدّين : وهذا يتمشّى على عرف النّحويين ، فإنهم يقولون : « لا » العاملة عمل « ليس » لنفي الوحدة ، والعاملة عمل « إنّ » لنفي الجنس ، قالوا : ولذلك يقال : لا رجل فيها ، بل رجلان ، أو رجال ؛ إذا رفعت ، ولا يحسن ذلك إذا بنيت اسمها أو نصبت بها . وتوسّط بعضهم فقال : التي للتبرئة نصّ في العموم ، وتلك ليس نصّا . والظاهر أنّ النكرة في سياق النفي مطلقا للعموم ، وقد تقدّم معنى الرّفث في قوله : « أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ » قال ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر : هو الجماع « 2 » ، وهو قول الحسن ، ومجاهد ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، وعكرمة ، والنخعي ، والربيع . وروي عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : الرّفث : غشيان النساء ، والتّقبيل ، والغمز ، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام « 3 » . وقال طاوس « 4 » : هو التّعريض للنساء بالجماع ، وذكره بين أيديهنّ . وقال عطاء : الرّفث : هو قول الرجل للمرأة في حال الإحرام : إذا حللت ، أصبتك « 5 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2642 ) كتاب الحج باب : فضل الحج المبرور رقم ( 1521 ) و ( 3 / 32 ) كتاب المحصر باب قوله تعالى « فَلا رَفَثَ » رقم ( 1819 ) ومسلم كتاب الحج ( 438 ) وأحمد ( 2 / 229 ) والنسائي ( 5 / 114 ) وابن ماجة ( 2889 ) والبيهقي ( 5 / 67 ) والطبري في « تفسيره » ( 1612 ) والترمذي ( 811 ) وابن خزيمة ( 2514 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 8 / 126 ) والحميدي ( 1004 ) والخطيب « في تاريخ بغداد » ( 11 / 222 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 172 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 172 . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 172 . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 172 .